القاضي التنوخي
247
الفرج بعد الشدة
بدرهم في كلّ ليلة ، وكنت أعمل معه ، وكان معه غلام آخر يضرب بالمطرقة ، فأفسد ذلك الغلام على الحدّاد نعلا كان [ 91 ر ] يضربها ، فاغتاظ عليه ، ورماه بالنعل الحديد على قلّته « 17 » ، فتلف للوقت ، فهرب الحدّاد ، وبقيت أنا في الموضع متحيّرا لا أدري إلى أين أمضي ، وأحسّ الحارس في الحال بما رابه في الدكّان ، فهجم عليّ فوجدني قائما ، والغلام ميّتا فلم يشكّ أنّي القاتل ، فقبض عليّ ورفعني ، فحبست إلى الآن ، فقال لصاحب الشرطة : خلّ عنه . وقال لخادم آخر : خذه فغيّر حاله ، وادفع إليه خمسمائة دينار ، ودعه ينصرف مصاحبا . ثمّ رفع رأسه إليّ ، وقال : يا ابن حمدون ، الحمد للّه الّذي وفّقني لهذا الفعل . ففرّج عني ، فقلت : كيف تكلّف أمير المؤمنين النّظر في هذا [ 154 غ ] بنفسه ، في مثل هذا الوقت ؟ فقال : ويحك إنّي رأيت في منامي رجلا يقول لي : في حبسك رجلان مظلومان ، يقال لأحدهما : منصور الجمّال ، والآخر : فلان بن فلان الحدّاد ، فأطلقهما السّاعة وأحسن إليهما وأنصفهما ، فانتبهت مذعورا ، ثمّ نمت . فما استثقلت حتّى رأيت الشّخص بعينه ، يقول لي : ويلك آمرك أن تطلق رجلين مظلومين في حبسك ، قد طال مكثهما ، وأن تنصفهما وتحسن إليهما ، فلا تفعل ، وترجع تنام ؟ لقد هممت أن أوجعك ، فكاد يمدّ يده إليّ . فقلت له : يا هذا من أنت ؟ فقال : أنا محمّد رسول اللّه ، فكأنّي قبّلت يده ، وقلت : يا رسول اللّه ، ما عرفتك ، ولو عرفتك ما تجاسرت على تأخير أمرك .
--> ( 17 ) القلّة : أعلى الرأس ، وأعلى الجبل وكلّ شيء ، وقلّة السيف : قبيعته ، وأحسبه يعني بقلّة النعل الحديد ، حاشيته الدقيقة ، والبغداديّون يسمّون الحاشية الدقيقة : الگاز ، بالكاف الفارسيّة .